ابن أبي العز الحنفي

152

شرح العقيدة الطحاوية

فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله « 104 » - علم علما يقينا أنه ليس بشاعر ولا كاهن . والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة ، حتى في المدعي للصناعات والمقالات ، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة ، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك . والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها ، وهي أشرف العلوم وأشرف الاعمال . فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب ؟ ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة - : قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم ضروري ، كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه [ وبغضه ] وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه ، بأمور تظهر على وجهه ، قد لا يمكن التعبير عنها ، كما قال تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ محمد : 30 ثم قال : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ محمد : 30 . وقد قيل : ما أسرّ أحد سريرة الا أظهرها اللّه على صفحات وجهه وفلتات لسانه . فإذا كان صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرائن ، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول اللّه ، كيف يخفى صدق هذا من كذبه ؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة ؟ ولهذا لما كانت خديجة رضي اللّه عنها تعلم من النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه الصادق البار ، قال لها لما جاءه الوحي : « إني قد خشيت على نفسي » « 105 » ، فقالت : كلا - واللّه لا يخزيك اللّه ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب

--> ( 104 ) في الأصل : العلم والتصحيح من مطبوعة دار المعارف . ( 105 ) صحيح ، وهو قطعة من حديث بدء الوحي الطويل في أول « صحيح البخاري » ( رقم 3 - مختصر البخاري طبع المكتب الاسلامي ) ، وكان في الأصل وفي مطبوعة مكة « على عقلي » ! وقد قال الشيخ أحمد شاكر في ذلك : « هو خطأ فاحش ، لعله من الناسخ . بل هو كلام غير معقول . وحاشا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أن يقول هذا . بل إن بعض العلماء فسر خشيته على نفسه ، في هذا الحديث ، بأنه خشي الجنون ! واستنكره الحافظ في الفتح 1 : 23 ، قال : « وأبطله أبو بكر ابن العربي ، وحق له أن يبطل . ا . ه - » .